الشيخ محمد رشيد رضا
9
تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )
وأما الذين يقولون انهم يؤمنون ببعض الرسل ويكفرون ببعض كأهل الكتاب فلا يعتدّ بقولهم ولا يعد ما هم عليه من التعصب لبعضهم وحفظ بعض المأثور عنهم من الاحكام والمواعظ إيمانا صحيحا ، وانما تلك تقاليد اعتادوها ، وعصبية جنسية أو سياسية جروا عليها ، وانما الايمان بالرسالة على الوجه الصحيح الذي يرضي اللّه تعالى هو ما كان مبنيا على فهم معنى الرسالة والمراد منها وصفات الرسل ووظائفهم وتأثير هدايتهم . ومن فهم هذا لا يمكن أن يؤمن بموسى وعيسى ويكفر بمحمد عليهم الصلاة والسّلام . فان صفات الرسالة قد ظهرت في محمد ( ص ) بأكمل مما ظهرت في غيره ، والهداية به كانت أكبر من الهداية بمن قبله ، وحجته كانت أنهض ، وطرق العلم بها أقوى ، والشبهة عليها أضعف ، فقد نشأ موسى عليه السّلام في بيت الملك ، ومهد الشرائع والعلم ، ونشأ عيسى عليه السّلام في أمة ذات شريعة ، ودولة ذات علم ومدنية ، وبلاد انتشرت فيها كتب الآداب والحكمة ، فلا يظهر البرهان على كون ما جاء به كل منهما وحيا إلهيا لا كسب له فيه كما يظهر البرهان على ما جاء به محمد وهو الأمي الذي نشأ بين الأميين ونقل كتابه وأصول دينه بالتواتر القطعي والأسانيد المتصلة دون دينهما . وأما جعل النصارى نبيهم إلها في الشكل الذي أظهره فيه الملك قسطنطين الوثني وخلفه من الرومانيين فذلك طور آخر لم يعرفه المسيح وحواريه عليهم السّلام ، وتشكيل لدينهم بشكل من اشكال وثنيتهم السابقة مؤلف من تقاليد وثنيي الهند والصين والمصريين والاوربيين وغيرهم كما بين ذلك علماء أوربة الأحرار * * * ثم ذكر تعالى مقابل هؤلاء الكفار فقال وَالَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَلَمْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ في الايمان وان كانوا لا يلتزمون العمل الا بشريعة الأخير منهم ، لعلمهم بأنهم كلهم مرسلون من عند اللّه عز وجل وان مثلهم كمثل الولاة الذين يرسلهم السلطان إلى البلاد ، ومثل الكتب التي جاءوا بها كمثل القوانين التي تصدر الإدارة السلطانية بالعمل بها ( ولا حرج في ضرب الأدنى مثلا للأعلى ) فكل وال يحترم لأنه من قبل السلطان وكل قانون يعمل به لأنه منه وان كان الأخير « تفسير النساء » « 2 السادس » « النساء ج 6 »